لماذا لا تغير الحقائق ما نفكر به؟ التحيز للتأكيد

لماذا لا تغير الحقائق ما نفكر به؟

أجرى الباحثون في جامعة ستانفورد تجربة: جمع الباحثون مجموعة من الطلاب الذين لديهم آراء متعارضة حول عقوبة الإعدام. 

نصف الطلاب كانوا مؤيدين لذلك واعتقدوا أنها تردع الجريمة، وكان النصف الآخر ضدها ويعتقد بأنه ليس لديها أي تأثير على نسب الجريمة في المجتمع. طُلب من الطلاب الرد على دراستين. الدراسة الأولى تتضمن بيانات تدعم عقوبة الإعدام وتعتبرها رادعة، والدراسة الثانية قدمت بيانات تشكك بعقوبة الإعدام وتعتبرها غير مجدية. 

في الحقيقة لم يتم إجراء أياً من الدراستين وكانتا مزيفتين ولكن تم تصميم الدراستين لتقديم نموذجين مختلفين من البيانات، بشكل موضوعي، وبإحصائيات مقنعة بنفس القدر. 

الطلاب الذين دعموا في الأصل عقوبة الإعدام صنفوا البيانات المؤيدة للعقوبة أنها ذات مصداقية عالية، وبيانات الدراسة المعارضة للعقوبة أنها غير مقنعة؛ أما الطلاب الذين عارضوا عقوبة الإعدام في الأصل ففعلوا عكس ذلك. 

في نهاية التجربة، تم اخبار الطلاب أن البيانات مفبركة وسُئل الطلاب مرة أخرى عن آرائهم. أولئك الذين كانوا يؤيدون عقوبة الإعدام أصبحوا الآن أكثر تأييدًا لها؛ وأولئك الذين عارضوها أصبحوا أكثر عدوانية تجاهها.

هذا هو ما أصبح يُعرف لاحقاَ باسم “التحيز للتأكيد” (Confirmation Bias)، وهو ميل الناس إلى تبني المعلومات التي تدعم معتقداتهم ورفض المعلومات التي تتناقض معها. 

من بين العديد من أشكال التفكير الخاطئ التي تم تحديدها، يعتبر التحيز للتأكيد من أكثر الأشكال التي تم دراستها وإثباتها. 

إنه موضوع أساسي في الكثير من التجارب والكتب والمقالات العلمية. واحدة من أشهر هذه التجارب هي التجربة التي تم ذكرها سابقاً.

هوغو ميرسييه ودان سبيربر، الباحثون في علم دراسة العقل وامكانياته (Cognitive Science) ومؤلفو كتاب “لغز العقل” (The Enigma of Reason) يفضلون مصطلح “التحيز لصالح الذات” (MySide Bias). ويشيرون إلى أن البشر ليسوا ساذجين ولايتحدثون بشكل عشوائي. 

عندما يقدم شخص موقفه من موضوع معين، فإننا بارعون للغاية في اكتشاف نقاط الضعف. ولكن دائماً ما تكون المواقف التي لا نراها هي مواقفنا.

متى أو أين يضعنا هذا التفكير في مأزق؟ 

وفقاً لستيفن سلومان، الأستاذ في جامعة براون، وفيليب فيرنباخ، الأستاذ في جامعة كولورادو، وهما أيضاً باحثان في علم دراسة العقل، المأزق والمشكلة الكبيرة تكون في المجال السياسي. 

لا يمكن المقارنة بين دعم عقوبة الإعدام أو رفضها في دراسة بجامعة ما، كما لا يمكن أن أؤيد (أو أعارض) حظر الهجرة إلى بلد معين دون أن أعرف ما أتحدث عنه.

أين شركتنا، الميتا، من هذا؟ 

نحن في الميتا نرى شمعة صغيرة مضيئة في هذا العالم المظلم. إذا قضينا نحن – أو أصدقاؤنا أو الخبراء في شبكة سي إن إن أو باقي البشر على هذا الكوكب – وقتًا أقل في لوم الآخرين على ما نحن فيه، وحاولنا العمل أكثر على رؤية الآثار المترتبة على مقترحات السياسة والإعلام، فسوف ندرك مدى جاهليتنا ووجهات نظرنا القاصرة.

إحدى طرق حل المشكلة هي النظر إلى العلم على أنه نظام يصحح الميول الطبيعية للناس. في المختبر الذي يتم إدارته جيداً، لا يوجد مجال للتحيز الشخصي؛ يجب أن تكون النتائج قابلة للتكرار في مختبرات أخرى، بواسطة باحثين ليس لديهم دافع لتأكيدها أو نفيها. وهذا ما يمكن القول على أنه السبب في أن النظام أثبت نجاحه. ولهذا فإن العلم يتحرك للأمام، حتى وإن بقينا نحن في مكاننا.

هذا ما نريد القيام به في الميتا، نحن نحاول محاربة الأخبار الكاذبة بالعلم، لا نريد فقط أن نفهرس ونجمع الأخطاء في الإعلام؛ ولكن نريد أن نصحح لهم. 

“يجب أن يكون هناك طريقة لإقناع الناس بأن الأخبار التي يسمعونها ويقرؤونها قد تكون خاطئة حتى لو كانت تدعم ما يؤمنون به.”

كتاب “لغز العقل” والدراسات الأخرى التي ذكرناها جميعها تتوقع ظهور “الحقائق البديلة” (alternative facts). الحقائق البديلة هي الأكاذيب التي يمكن اشهارها على أنها صحيحة بالرغم من خطئها. في هذه الأيام، يمكن أن تشعر كما لو أن العالم بأكمله قد خضع لتجربة نفسية واسعة. وسيكون بمقدور الأشخاص العقلانيين فقط التفكير في طريقهم إلى التوصل إلى الحل المناسب.

في نهاية هذا المقال تذكر دائماً أنه حتى لو كان التمسك بآرائنا وإثبات أنها صحيحة يمنحنا شعور رائع بالرضا، ولكن الأخبار التي تقرأها، أو حتى معلوماتك ليست صحيحة دائماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *